قرن كامل من المأساة الفلسطينية.. وعد بلفور

0
2

يصادف اليوم ذكرى مرور 100 عام على وعد بلفور المشؤوم الذي أسس لقيام دولة اسرائيل على أرض فلسطين.وبهذه المناسبة ننشر فصولا من كتاب “سلام ما بعده سلام” للمؤلف البريطاني دافيد فرومكين، الذي تحدث خلاله عن ظروف صدور هذا الوعد.

ويقول فرومكين إن قادة حزب تركيا الفتاة كانوا يعتبرون ولاء السكان غير المسلمين في الامبراطورية العثمانية مسألة مشكوك فيها، وكان الباب العالي يرتاب ليس فقط من المسيحيين، بل ومن اليهود أيضا، وخصوصا الستين ألفا منهم أو أكثر الذين كانوا يعيشون في فلسطين. والأمر الذي أقلق طلعت باشا وزملاءه أن ما لا يقل عن نصف اليهود في فلسطين لم يكونوا رعايا عثمانيين، بل مهاجرين جاؤوا من الامبراطورية الروسية خلال نصف القرن الذي سبق الحرب، أي أنهم من الناحية النظرية ظلوا رعايا القيصر الروسي. لقد هرب هؤلاء اليهود من المجازر التي تعرضوا لها في روسيا واكرانيا وبولندا، وكان همهم أن يعثروا على وطن جديد_ كما فعل كثيرون من اليهود _ في بلاد تتوفر فيها الفرص مثل الولايات المتحدة الأمريكية. أما الذين إختاروا بدلا من ذلك صعوبات الحياة الطليعية في فلسطين القاحلة فقد كانوا أناسا حالمين لا ينشدون سوى السماح لهم بممارسة دينهم أو المثل التي يؤمنون بها بحرية تامة

في نهاية عام 1914 أتخذ جمال باشا الذي اصبح حاكم سوريا وفلسطين إجراء عنيفا ضد المستوطنين اليهود، فدمر المستوطنات الصهيونية وأمر بطرد اليهود الأجانب كلهم.

ففي حين أن معظم يهود فلسطين اختاروا تجنب التورط في الحرب العالمية الأولى عرض دافيد بن غوريون وإسحاق بن زيفي، وكلاهما طالبا حقوق سابقان في جامعة القسطنطينية وكانا زعيمين للحركة العمالية الصهيونية، عرضا أن يُنظما جيشا يهوديا فلسطينيا في عام 1914 للدفاع عن فلسطين العثمانية. ولكن جمال باشا، بدلا من أن يقبل بهذا العرض ، تفاهم مع زعماء صهاينة آخرين . في عام 1915 ذهب بن غوريون وبن زيفي إلى الولايات المتحدة ، وفي عام 1918 انضما إلى تشكيل جيش يهودي أعد للقتال في فلسطين إلى جانب بريطانيا ضد الأمبراطورية العثمانية.

بين خريف عام 1916 وخريف عام 1917 ظلت الامبراطورية العثمانية صامدة، بينما انهارت حكومات أعدائها في لندن وموسكو وباريس . لقد لعب نجاح الجيش العثماني في الحفاظ على مضيق الدردنيل دورا مباشرا في اسقاط حكومة رئيس الوزراء البريطاني اسكويث الذي حل محله لويد جورج، وأصبح آرثر بلفور وزيرا للخارجية. كان لويد جورج يتبنى طموحات الصهيونية في الارض المقدسة، ولكنه كان يتوقع قيام وطن قومي يهودي في نطاق حكم بريطاني . إن مجريات الحرب والسياسة قد جلبت إلى الحكم في بريطانيا لويد جورج أول رئيس وزراء يريد الإستيلاء على مناطق الشرق الأوسط ، وجلبت إلى الحكم في فرنسا جورج كليمنصو السياسي الفرنسي العازف عن ذلك.

كان لويد جورج الرجل الوحيد في حكومته الذي أراد دائما استيلاء بريطانيا على فلسطين، وأراد أيضا أن يشجع قيام وطن قومي يهودي في فلسطين .. وخلافا لزملاءه كان لويد جورج يعرف معرفة أكيدة وجود اتجاهات عمرها قرون في فكر أتباع الكنيسة الآنجيلية والمنشقين عن الكنيسة البروتستانتية نحو تقدم الصفوف لإعادة اليهود إلى صهيون . وحقيقة الأمر أن هذه الاتجاهات شكلت خلفية لعقيدته الانشقاقية عن الكنيسة، وكان هو الأحدث في سلسلة طويلة من الصهاينة المسيحيين في بريطانيا .

في عام 1914 بدا وكأن دخول الامبراطورية العثمانية الحرب قد أوجد الظروف السياسية التي يمكن من خلالها أخيرا تحقيق الحلم الصهيوني.

في بداية القرن العشرين أجرى هيرتزل مفاوضات مع الامبراطورية العثمانية جعلته يعتقد أن السلطان العثماني لن يوافق على المقترحات الصهيونية ( اقامة وطن لليهود في فلسطين). في عام 1902 عقد هيرتزل اجتماعا مع وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلن الذي أصغى بتعاطف إلى الاقتراح الصهيوني المتمثل في إقامة تجمع سكاني سياسي يهودي، أول الأمر في مكان قريب من حدود فلسطين، على أمل أن تكون فلسطين فيما بعد في متناول اليد. كان هيرتزل يتحدث لتشمبرلن وفي ذهنه أما قبرص أو قطاع العريش على حدود شبه جزيرة سيناء. وكلتا المنطقتين كانتا اسميا جزئين من الامبراطورية العثمانية، ولكن واقعيا كانتا محتلتين من قبل بريطانيا. وقد استبعد تشمبرلن قبرص ، ولكنه عرض أن يساعد هيرتزل في الحصول على موافقة المسؤولين البريطانيين المشرفين على شؤون سيناء. ومن أجل الحصول على الموافقة هذه قرر هيرتزل الاستعانة بخدمات محام ذي اطلاع واسع سياسيا، فوقع إختياره على ديفيد لويد جورج (الذي اصبح فيما بعد رئيسا لوزراء بريطانيا). لكن الادارة البريطانية في مصر رفضت الاقتراح الصهيوني فأرسلت وزارة الخارجية البريطانية رسالتين إلى الدكتور هيرتزل بتاريخ 19/6 و 16/7 عام 1903 تبلغه فيهما أن اقتراحه غير عملي. وعندئذ قال تشيمبرلن أنه يستطيع أن يعرض منطقة للاستيطان اليهودي تخضع لسلطة وزارته فطرح امكانية الاستيطان في أوغندا في شرق افريقيا البريطانية. فوافق هيرتزل على اوغندا. وأيد رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أرثور بلفور هذا الاقتراح. وكان ذلك أول بيان رسمي صادر عن حكومة ما إلى الحركة الصهيونية وأول بيان رسمي يقول بصورة ضمنية بعطاء وضع قومي للشعي اليهودي، أي أنه كان بمثابة وعد بلفور الأول.

بعد ذلك انعقد اجتماع للمؤتمر الصهيوني العالمي طرح فيه هيرتزل اقتراح أوغندا كمحطة على الطريق إلى أرض الميعاد وكملجأ مؤقت ليهود الامبراطورية الروسية للنجاة من المذابح والمجازر. غير أن غالبية المؤتمرين لم تبد اهتماما بأية أرض أخرى غير أرض “أجدادهم”، فوجدت الحركة الصهيونية نفسها في طريق مسدود. وفي هذه الأثناء، في صيف عام 1904 التالي مات هيرتزل مخلفا وراءه زعامة صهيونية مفككة ومنقسمة.

لقد تابع لويد جورج نهجه الفكري حتى انتهى إلى استنتاج مفاده أن على بريطانيا أن ترعى القومية اليهودية في الشرق الأوسط بعد الحرب. وقد توصل عدد من زملائه في الحكومة البريطانية إلى الاستنتاج نفسه في عام 1917. والغريب في الأمر هو أنهم بعد أن أيدوا الشريف حسين نتيجة أفكار خاطئة عن العرب والمسلمين أوشكوا الآن على تأييد الصهيونية نتيجة أفكار خاطئة أيضا عن اليهود.

مع إن فكرة التزام بريطانيا بالصهيونية كانت من وحي جيرالد فيتز ومارك سايكس ، فقد يكون السير رونالد غراهام مسؤولا أكثر من أي شخص آخر في الحكومة البريطانية عن تجسيد هذا الالتزام فعليا في وثيقة رسمية. لقد كان غراهام وغيره من المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية يعرفون معرفة أكيدة أن فرنسا هي العقبة على طريق إعطاء حاييم وايزمان الالتزام العلني الذي طلبه. ففي وزارة الخارجية الفرنسية كانوا لا يتحدثون عن الصهيونية إلا باحتقار، كما إن شرائح هامة من الرأي العام الفرنسي كانت طوال الوقت تعبر عن عداء للحركة الصهيونية وتعتبرها حركة موالية لألمانيا. ولكن عندما حصلت الثورة في روسيا وجعلت اليهود يظهرون أهم سياسيا بكثير مما هم في واقعهم، بل إن الاحداث في روسيا(ثورة إكتوبر) جعلت كسب تأييد الصهيونية أمرا مرغوب فيه. إلا أن وزارة الخارجية الفرنسية ترددت في السعي وراء هذا التأييد خشية أن يكون أي التزام بالصهيونية معادلا لتخلي فرنسا عن مطالبتها بفلسطين. وهذه المشكلة حلها الصهيوني ناحوم ساكولوف الذي تعمد في مفاوضاته مع وزارة الخارجية الفرنسية ألا يثير مسألة البلد الذي ينبغي أن يتولى الحماية في فلسطين. ولقاء موافقة سوكولوف على الذهاب إلى روسيا ليستخدم تأثيره على اليهود هناك، سلمه جول كاميون المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية بتاريخ 4 / 6 / 1917 تأكيدا خطيا( تعهدا) بتعاطف الحكومة الفرنسية مع قضية بعث القومية اليهودية في فلسطين. إن هذا التأكيد الفرنسي الذي صيغ صياغة حذرة ليكون بلا معنى سمح للبريطانيين أن يصدروا من جانبهم ما عرف بوعد بلفور.

في عام 1913 كانت نسبة يهود العالم الذين أظهروا ولاءهم للصهيونية لا تتجاوز واحد بالمئة. وخلال الحرب العالمية الأولى انبثق الشعور الصهيوني بين يهود روسيا، أما في بريطانيا فإن غالبية اليهود كانت معارضة للصهيونية.

ظلت الولايات المتحدة الامريكية حتى عام 1917 تنصح بالتريث على سبيل الحيطة في إعلان بلفور. كان الرئيس الامريكي ويلسون محبذا لفلسطين يهودية، ولكنه كان أقل حماسة لفلسطين بريطانية.

بقيت الحكومة البريطانية على إعتقادها بأن الجالية اليهودية في روسيا قادرة على ابقاء الحكومة الروسية في معسكر الحلفاء.. ومع تعمق الأزمة في روسيا استبد بوزارة الخارجية البريطانية الإحساس بالحاجة الملحة للسعي في سبيل كسب التأييد اليهودي.

حول القضية الفلسطينية

بتاريخ 31 اكتوبر/تشرين الأول عام 1917 تغلب مجلس الوزراء البريطاني على معارضة مونتاغيو وكورزون وفوّض وزير الخارجية بلفور باصدار صيغة ملطفة كثيرا لضمانة التأييد التي طلبها وايزمان. وسارع سايكس المبتهج إلى وايزمان ينقل إليه النبأ. ولكن الزعيم الصهيوني وايزمان استاء بسبب تلطيف النص الأصلي إلى هذا الحد..

في 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 وجه وزير الخارجية البريطاني بلفور رسالة إلى اللورد روتشيلد ( باعتباره أبرز اليهود البريطانيين) جاء فيها ما يلي : “عزيزي اللورد روتشيلد، يسرني كثيرا أن أنقل اليكم نيابة عن حكومة جلالته إعلان التعاطف مع الأماني الصهيونية اليهودية التالي نصه والذي عرض على مجلس الوزراء فأقره : ( تنظر حكومة جلالته نظرة إيجابية إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستستخدم أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. على أن يكون واضحا أنه لن يتم عمل شئ يمكن أن يسئ إلى الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود في فلسطين، أو إلى الحقوق والوضع السياسي لليهود في أي بلد آخر) “.

لم يتوقع زعماء بريطانيا رد فعل معاديا من حلفائهم العرب. وكتب رئيس الوزراء البريطاني فيما بعد يقول : ” لا يبدو أن فلسطين سببت للزعماء العرب قلقا شديدا”، ونوه أن حكومته أطلعت الشريف حسين والأمير فيصل على خططها لإعادة خلق وطن يهودي في الارض المقدسة. ثم أضاف بلهجة حادة ” إننا لن نقيم اتصالا مع عرب فلسطين لأنهم يحاربوننا” .

ومع إن وعد (اعلان) بلفور نشر في لندن قبل شهر من دخول قوات اللنبي إلى القدس، فقد رفضت السلطات العسكرية البريطانية في فلسطين أن تنشره في القدس ما دامت الحرب العالمية قائمة، لأنها كانت تخشى الاضطرابات.

لقد حضر الكولونيل جويس – كبير مستشاري الأمير فيصل العسكريين البريطانيين إجتماع وايزمان مع الأمير فيصل. ثم نقل جويس رأيه الشخصي عن الاجتماع فقال إن فيصل رحب بامكانية التعاون اليهودي ، وإنه في الحقيقة اعتبر هذا التعاون جوهريا لتحقيق الطموحات العربية. وفي رأي جويس أن الأمير فيصل سيقبل بفلسطين يهودية إذا كان في ذلك ما يقنع الحلفاء بتأييد مطالبته بسورية. لقد سار الاجتماع سيرا حسنا ومهد الطريق للتأييد العلني للصهيونية الذي قدمه فيصل في مؤتمر الصلح بباريس في السنة اللاحقة.

جرى تقديم وايزمان إلى الأمير فيصل فشعر باندفاع حماسي نحوه. وكتب وايزمان إلى زوجته عن فيصل قائلا: ” إنه أول قومي عربي حقيقي أجتمع به، إنه قائد ! وهو ذكي جدا وصادق جدا ووسيم وكأنه صورة مرسومة ! وهو غير مهتم بفلسطين، ولكنه من جهة أخرى يريد دمشق وسورية الشمالية بكاملها .. وهو ينظر نظرة احتقار إلى عرب فلسطين، بل إنه لا يعتبرهم عربا” . وهذا الكلام يتفق مع ما قاله اورمسي- غور رئيس اللجنة السياسية الصهيونية أمام اللجنة حين قال ما معناه ” إن الحركة العربية الحقيقية موجودة في الواقع خارج فلسطين، والحركة التي يقودها الأمير فيصل ليست مختلفة عن الحركة الصهيونية، إنها تضم عربا حقيقيين، وهم رجال حقيقيون. إن العرب المقيمين عبر(شرق) الاردن أناس رائعون، أما الناس الذين غربي الاردن فليسوا عربا، وإنما هم فقط ناطقون بالعربية، ويجب على الصهيونيين أن يعتبروا الحركة العربية، ومركزها الحجاز أصلا، ولكنها تنتقل الآن شمالا ، حركة زميلة ذات مثل سامية” .

في الأول من ديسمبر/ كانون الأول عام 1918 اجتمع رئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو ورئيس الوزراء البريطاني لويد جورج في لندن. كان ذلك قبل إفتتاح مؤتمر الصلح بباريس بشهرين.. وفي سياق حديث بدأ بالمسائل الاوروبية أثير موضوع الشرق الأوسط. فسأل كليمنصو ما هي التعديلات التي ترغب بريطانيا ادخالها على المطالب الفرنسية( أي وفقا لما ورد في معاهدة سايكس – بيكو). فأجاب لويد جورج : الموصل . فقال له كليمنصو : ” وهي لكم. هل من شئ آخر؟” فأجاب لويد جورج “فلسطين”. ومرة أخرى قال كليمنصو: ” ستحصلون عليها “. إن كليمنصو الرجل الذي يحترم كلمته قد حافظ على وعده طوال الملاسنات المريرة في مؤتمر الصلح، بالرغم من أنه لم يكن هناك تثبيت خطي لتنازلاته. لقد كانت سياسة كليمنصو طوال حياته السياسية المديدة أن يتنازل لبريطانيا في الشرق الأوسط لكي يضمن تأييدها له في أوروبا ضد المانيا . ولكن تبين خلال بضعة الشهور التالية أن لويد جورج لم يتقدم بكل طلباته الشرق أوسطية عندما طلب منه كليمنصو أن يفعل ذلك في الأول من ديسمبر/ كانون الأول، إذ أن لويد جورج، إضافة إلى المطالب التي ذكرها (الموصل و فلسطين) أراد أيضا من فرنسا أن تتخلى عن مطالبها بسورية .

إن مساندة الحكومة البريطانية للأمير عبد الله بن الشريف حسين القادم من جزيرة العرب كحاكم لشرق الأردن والمحافظة على شرق الأردن كمحمية عربية لا يستطيع اليهود الاستيطان فيها لإقامة وطنهم القومي، يعنيان الخروج على سياسة وعد بلفور التي تقضي بتشجيع الوطن القومي اليهودي.

إن إعلان وعد بلفور قد وجد تجسيدا له في انتداب عصبة الأمم الذي عهد بفلسطين إلى بريطانيا. في الفترة 1921-1922 كان صك الانتداب (الذي يفوض بريطانيا أن تكون وصية على فلسطين ويجعل مهمتها انشاء وطن قومي يهودي، مع حماية حقوق غير اليهود) يأخذ طريقه من عصبة الأمم إلى البرلمان البريطاني للموافقة عليه. ولما كان قرار تشرتشل المؤقت هو عدم التشجيع على – وحتى عدم السماح – إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين الشرقية، يناقض أحكام الانتداب، فقد قرر أن يغير أحكام الانتداب، ولذلك أعيدت صياغتها بحيث تنص على أن بريطانيا غير ملزمة بتطبيق سياسة وعد بلفور شرقي نهر الاردن.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here