طريقاً واحداً إلى فلسطين يمرُّ من فوهة البندقية

0
6

تمتاز بعض الحوارات البسيطة بقدرتها الخارقة على وضعك أمام ذاتك بلا تكليف أو زيف، لتبدأ التفكير في ما يُعدّ شائكاً أو محظوراً التفكير فيه، فمثلاً «نرجع ع البلاد» تعبير بسيط عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم المهجرين منها قسراً، ويحمل في طياته تأويلات وتساؤلات تُعد مشروعة جداً في سياق الأحداث الحالية.
يمثل مصطلح «البلاد» كل ما هو بعيد، مجهول، وينضح بالحنين والارتباط بمكانٍ أسمع عنه فقط، لم أره، لم أعش فيه، ولم تكن لي فيه ذكريات، وبذلك غدت «البلاد» شيئاً ما، أعيه ولا أعيه، أفهمه ولا أفهمه. جزء من هذا الالتباس يُعزى إلى زيارتي البلاد ذات مرة وأنا في السادسة من عمري، حين رأيت أن البلاد أكثر حقيقة من فكرتها، وحين بدأت بطرح الأسئلة البريئة، لم أجد جواباً.
رأيتُ في «البلاد» ما لم أره في المخيم الصغير الذي أسكنه: الطرقات التي لا تشبه أزقة المخيم، المباني الفارعة التي لا تقترب، ولو قليلاً، من بيوت الاسبست التي لم آلف غيرها آنذاك. رأيتُ كل ما جعلني أكره «رومسنية المخيم» وتذويب معاناته، المخيم الذي بات اليوم هوية لأجيال لم تألف إلا الأزقة والحصار والحروب والتهميش والاغتراب، وكل ما يُبعدها عن حقيقة أن هذا الظرف موقت وليس نهائياً.
في «عائد إلى حيفا»، يقول غسان كنفاني: «أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة»، فلسطين التي هي أكبر من تقسيم جغرافي، أكبر من انقسام سياسي، أكبر من جدار، أكبر من احتفال بالنكبة ننشد فيه الأناشيد ونشبك الكف بالكف للدبكة. حين عاد كنفاني بشخوصه إلى حيفا، تجلى انفصال الجسد عن المكان، والزمان الذي لم يبارح مكانه في مخيلتهم، لكنه في الواقع تسارع آخذاً في طريقه شكل المكان الذي لم تعد تلك الشخصيات مادياً جزءاً منه.
ربما تجربة دخول «المحررات» (المستوطنات التي غادرها الإسرائيلي عام 2005 في غزة)، بعد «فك الارتباط»، كانت تحمل لنا بعض هذا الامتحان الصعب، في اكتشاف ما وراء الأسوار العالية ومتاريس الرمل، والقناصات والدبابات الشاخصة، وكيفية تعاملنا مع المكان. ففي جزء ما من مخيلتي كنت أظن أن هناك ثقباً كبيراً ولا يوجد شيء، أو ربما هكذا تمنيت أن يكون، لكن الحقيقة كانت خلافاً لذلك. فقد كان هذا المكان القريب للغاية، الذي كلما مررنا من أمامه غطت أمي عيني، يعيش ويستمر ومليء بالقصص والتجارب؛ لم يكن جماداً، كانت فيه حياة بطريقة أو بأخرى، سواء رفضناها أو قبلناها.
ما كانت تسمى المستوطنات في غزة، كانت تمتلك شكل حياة مختلف كلياً عما كان يدور في المخيمات والأحياء المتاخمة لها. حين زرناها أول مرة، شيء ما مسّ وعيي لم أفهمه، ردني إليه لاحقاً سؤال بريء من ابن أخي الذي ولد في العام نفسه من الانسحاب، حين أصبح في الخامسة من عمره: «الجنود وحوش؟». هذه هي لعبة «كي الوعي» التي يبرع الاحتلال فيها وفقاً لبيئة ومتغيرات كل منطقة، فالطفل الذي لم يرَ جندياً أو مستوطناً وهو محجوز في غزة أو في أحد مخيمات الشتات سيتشكل في فهمه أن هذا العدو شيء ما، المستوطنة شيء ما، وستصبح البلاد في فهمه أيضاً شيئاً ما!
هذا التشييء objectification، وإن تعددت عوامله الذاتية والموضوعية يفرغ المفاهيم والأفعال والرموز والأماكن من مضامينها الوطنية، ويخلق مساراً إدراكياً يلائم طموحات وتوقعات هذا العدو. لكن، ماذا لو خيبنا الظنون، ماذا لو عُدنا حقاً هذه المرة، وكل هذا التشتت والتشرذم سينتهي؟ بالمنطق البسيط، لو أن الأمر بهذه السهولة، ما انتظرنا سبعين عاماً، الأمر أكثر تركيباً وتعقيداً.
من المخيف بشدة تخيل العودة إلى «فلسطين الأُمنية»، التي لن نكون جديرين بها في حالتنا الراهنة، في ظل قيادة مترهلة منقسمة على نفسها، يكبلها الاحتلال بجملة من الاتفاقات والارتباطات التي ليس بالسهولة المتمناة التحلل منها، وإن كانت هذه القيادة لديها من الشجاعة لتضرب بهذه الاتفاقات عرض الحائط، فإذاً لنفكر بالعودة كما نشتهي ونكون واقعيين. إن عُدنا، فكيف؟ حسناً سنخترق الحدود الفاصلة ونعود، إلى أين؟ لا بيوت تنتظرنا، لا قيادة وطنية ولا حتى إقليمية ستوفر الدعم. يجب أن نعي أننا لن نعود إلى أراض أو بيوت خاوية موصدة منذ سبعين عاماً تنتظرنا لنزيل غبارها، فهنالك «الآخر» الذي لا يقيم وزناً لوجودنا ولا يتوانَ لحظة لإزالتنا. هذا «الآخر» الذي في فهمنا فلسطينياً هو «العدو المحتل»، الذي كان سبباً في قتلنا وتهجيرنا وتدميرنا، فهل بعودتنا سلمياً سيشعر بالخجل ويترك أرضنا ويعود من حيث أتى؟
هل تضحياتنا التي قدمناها طوال السنين الطوال تستحق أن نعود بهذا الشكل الخجول؟ هذه العودة خجولة، لأننا لا نملك ما يكفي من القوة أو التخطيط، وإن كنا نملكها، فكيف سنتعامل مع ما فرضه هذا المحتل من حقائق مادية على أرض الواقع؟ كيف سنتعامل مع 6 ملايين إسرائيلي؟ ماذا سنفعل بهم؟ هم لن يختفوا بطرف الجفن، ولن يولّوا خائفين بسبب بضعة آلاف ستعود، لقد رأيناهم على شاشات التلفاز منهارين ورافضين لإخلائهم من المستوطنات في غزة؛ إنها سبعون عاماً من الاستعمار الاستيطاني علينا أن نكون أكثر واقعية مع أنفسنا.
أَسَنطوي صفحة الماضي ونعيش جيراناً؟ هل سيقبل من فقد نصف عائلته أو كلها أن يعيش مع من أعطى أمراً بقتلهم؟ هل سيقبل أن يعيش من قضى نصف عمره في سجون هذا العدو مع شخص كان سجانه؟ هل أرواح من سقطوا في الحروب والمجازر ستغفر لنا؟ بالتأكيد لا، ولذلك علينا أن نعترف بأنهم خدعونا بفكرة التسوية، وهذا ليس زمن المعجزات أيضاً، فما الحل؟ يجب أن نعود مُحررين لفلسطين، كل فلسطين، من دون تقسيط للمطالب، من دون مساومات على الحقوق الكاملة، وذلك حين نملك من عوامل القوة ما يمكننا لفرض قرارنا، سنحررها ونعود منتصرين، لا متسللين ولا زائرين، فنحن نحب الحياة أيضاً، ولأننا نحبها ونريد وطناً نصنع فيه المستقبل، فعلينا أن نرفض العودة من أجل العودة فقط.
لا بأس إن كانت الأجيال الحالية لا تملك ذكريات للبلاد، ففلسطين أكثر من ذكريات. علينا أن نحفزهم ليفكروا كيف سيصنعون هذه الذكريات هناك، وأن نجهزهم ليوم التحرير والعودة كحقيقة، لا كأمنية، كمحررين وأصحاب حق، متصلين بالمكان والزمان، ويملكون من الوعي ما يكفي أن يدركوا أن هنالك طريقاً واحداً لفلسطين يمرُّ من فوهة بندقية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here